حبيب الله الهاشمي الخوئي
81
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
* ( مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَه ُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) * . قال عليّ بن إبراهيم القميّ قال إنّ بحرا كان في اليمن وكان سليمان عليه السّلام أمر جنوده أن يجروا لهم خليجا من البحر العذب إلى بلاد هند ، ففعلوا ذلك وعقدوا له عقدة عظيمة من الصخر والكلس حتّى تفيض على بلادهم ، وكانوا إذا أرادوا أن يرسلوا منه الماء أرسلوه بقدر ما يحتاجون إليه وكانت لهم جنّتان عن يمين وشمال عن مسيرة عشرة أيّام فيها يمرّ المارّ لا تقع عليه الشمس من التفافها . فلمّا عملوا بالمعاصي وعتوا عن أمر ربّهم ونهاهم الصالحون فلم ينتهوا ، بعث اللَّه على ذلك السدّ الجرذ وهي الفارة الكبيرة فكانت تقلع الصّخرة التي لا يستقلَّها الرّجل وترمى به فلمّا رأى ذلك قوم منهم هربوا وتركوا البلاد فما زال الجرذ تقلع الحجر حتّى خربوا ذلك السدّ فلم يشعروا حتّى غشيهم السّيل وخرب بلادهم وقلع أشجاهم . وقال الطبرسي في مجمع البيان في تفسير الآية ثمّ أخبر سبحانه عن قصّة سبأ بما دلّ على حسن عاقبة الشّكور وسوء عاقبة الكفور فقال - * ( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ) * - المراد بسبا هنا القبيلة الَّذينهم أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان - في مسكنهم - أي في بلدهم - آية - أي حجّة على وحدانيّة اللَّه عزّ وجلّ وكمال قدرته وعلامة على سبوغ نعمته ثمّ فسّر سبحانه الآية فقال : - * ( جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ ) * - أي بستانان عن يمين من أتاهما وشماله وقيل عن يمين البلد وشماله . وقيل انّه لم يرد جنّتين اثنتين والمراد إنه كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم متّصلة بعضها ببعض وكانت من كثرة النّعم أنّ المرأة تمشى والمكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمسّ بيدها شيئا . وقيل الآية المذكورة هي أنّه لم يكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حيّة ، وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمّل ودوابّ ماتت